Skip Navigation Links  الأرشيف     الأربعاء , 19 كانون الأول 2018
 
مجتمع مدني
الأربعاء , 28 تشرين الثاني , 2018 :: 6:15 ص

الروابدة: الاقتصاد يعود لغرفة العمليات بعد أن كان في غرفة الإنعاش

 قال رئيس الوزراء الأسبق عبد الرؤوف الروابدة، إن الأردن يجاور فلسطين القضية، الأرض المستهدفة صهيونيا، والأردن مستهدف مثلها ومعها، كان علاقة الأردن بفلسطين متميزة بخصوصيتها، تعاون في ذلك التاريخ مع الجغرافيا، والمصالح مع الديموغرافيا.


جاء ذلك، في محاضرة ألقاها بمنتدى جمعية الشؤون الدولية مساء الثلاثاء، وأدارها الفريق المتقاعد فاضل علي فهيد، بحضور رئيس الوزراء الأسبق عبد السلام المجالي.


وأضاف الروابدة، تتوالى الانهيارات على الساحة العربية، تتغير الثوابت والأهداف، يتراجع هدف التحرير الذي استنزف طاقات الأمة حتى لا يرتفع صوت على صوت المعركة، تتسارع التراجعات فيصبح السلام هدفا استارتيجيا، يكثر الوسطاء ، فتعقد المؤمرات برعاية من كانوا السبب في نشوء القضية، ينفرد كل طرف عربي بهمومه فيهتم بقلع أشواكه بيديه وحده.


وتاليا نص الكلمة :


 


بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين

 

دولة الأخ أبا سامر، الأخوة الأفاضل، الأخوات الفضليات

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 قبل نصف قرن ونيف ألف السير تشارلزجونستون سفير بريطانيا الأسبق في المملكة الأردنية الهاشمية كتابا عنوانه " الأردن على الحافة "،  أستميحكم عذرا باستعارة العنوان للتأشير على الأخطار التي تعرض لها الأردن ومازال يتعرض،  ليس لي من هدف إلا التنبيه حتى نستطيع فهم الماضي وتحديد الحاضر وصياغة المستقبل الواعد، لقد تعددت الحواف منذ نشوء الدولة، وكانت تحديات جسيمة تجاوزناها بحكمة بعد طول معاناة، لكن الأخطار مازالت تتوالى وتتوالد ، الأمر الذي يقتضي التنبيه والتحذير لاجادة التصدي.

 

الاخوة والاخوات ،،

كان قدر الاردن أن يكون أحد التواءم الأربعة التي ولدتها اتفاقية سايكس بيكو المشؤومة، وكانت الحافة الاولى أن يكون الاردن التوأم الوحيد الذي حمل اتهام السايكس بيكو بينما نجا أشقاؤه الثلاث من ذلك الاتهام  سوريا ورثت اسم المنطقة ، كما ورثت كيان ولاية الشام الذي صار كيان الدولة الجديدة بمكوناته الجاهزة، لبنان كان له شبه كيان في العهد العثماني تطور ليصبح كيان الدولة الجديدة،فلسطين خضعت للحكم البريطاني المباشر الذي صنع كيانها على مقاسه خدمة لأهدافه،أما الدولة الاردنية " حكومة الشرق العربي حينئذ فقد تشكلت من أربعة أجزاء لم يكن لأي منها مكونات الدولة، كان الشمال جزء من لواء حوران وعاصمته درعا التي بقيت مع الدولة السورية الناشئة، وكان الوسط جزءا من لواء البلقاء وعاصمته نابلس التي بقيت مع دولة فلسطين، أما الكرك فقد كان لواء محدود الامكانيات، وكانت معان والعقبة جزءا من ولاية الحجاز.

قام كيان الدولة الجديدة " حكومة الشرق العربي " بتوحيد الأجزاء الأربعة، وبدأ انشاء مؤسسات الحكم باستقطاب القيادات والعاملين من كل الارض العربية، منحت الجنسية لكل من فاء للكيان نجاة بنفسه من الظلم أو طلبا للعمل، توحد الجميع في مجتمع جديد ، مدني بطابعه، قام على المواطنة الحقيقية التي لم يمارسها مجتمع عربي آخر حتى اليوم، تولى العروبيون كل المواقع المتقدمة في الحكم وفي المعارضة، لم يعتبرهم الأردنيون غرباء، لأن الهوية العربية بقيت تسود ، وقد عززتها الثورة العربية الكبرى التي غدا الأردن مستودعها، هذا موقف ودور ما عرفتهما ساحة عربية أخرى حتى التي حكمها عرًابو الوحدة العربية الشاملة، بالرغم من كل ذلك ولدت الحافة الثانية، غيبت أو وئدت الهوية الوطنية الاردنية، بينما قامت هوية وطنية خاصة في كل قطر عربي، حارب الوحدويون العرب الهوية الوطنية باعتبارها قطرية تقف حجر عثرة في طريق الوحدة العربية ، وأيدهم في ذلك الأردنيون، الا أنه عندما حكم الوحديويون بعض الأقطار العربية تبنوا الهوية الوطنية وبرورها بأنها خصوصية وطنية.

 

الأخوة والاخوات ،،

أما موقع الأردن الجغرافي فقد كان سببا في نشوء الحافة الثالثة، يقع الاردن بين ثلاث دول عربية، قوية وكبيرة ومكتفية ، تتنوع مصالحها وتتفق حينا وتختلف أحيانا، نسجت بينها تحالفات تتغير عناصرها وأهدافها بين حين وآخر، لكنها لم تكن على وفاق مع الأردن في الأعم الأغلب من الأوقات، كان على الاردن أن يفتش دوما عن نقطة التوازن والاتزان بينها أو معها، صاغ علاقات استرضائية كانت دوما على حساب مصالحه، تحمل كل محاولات الاختراق والهيمنة والحصار.

 

الاخوة والأخوات ،،

يجاور الاردن فلسطين القضية : الأرض المستهدفة صهيونيا ، والأردن مستهدف مثلها ومعها، كان علاقة الأردن بفلسطين متميزة بخصوصيتها، تعاون في ذلك التاريخ مع الجغرافيا ، والمصالح مع الديموغرافيا، اندمج الأردن بالقضية منذ بداياتها ، كان الأبرز في ساحات النضال وميادين الحرب، حافظ على جزء عزيز من الارض ، بينما لم يحافظ غيره على ما كان تحت سلطته منها، هنا ولدت الحافة الرابعة : صدرت لغير الأردن صكوك الغفران ، وأستلت عليه وحده سيوف الاتهام، طمس دوره وأنكرت جهوده، تحمل آثار النكبة الأولى ، وكان وقعها عليه فوق قدراته، صبر واحتسب لأنه صاحب القضية، والشريك فيها على الشيوع.


الاخوة والأخوات ،،

وتقوم بين ضفتي النهر الخالد الوحدة الأنقى في القرن العشرين، وحدة أخوة وأهل، يقرها برلمان منتخب بالمناصفة، وحدة عضوية تندماجية فاعلة تميزت فيها المواطنة بأجلى معانيها، وحدة عارضها البعض ولم تعترف بها الدول العربية، وحدة شوهها الديموقراطيون فوصوفوها بأنها " ضم " وعيرها الوحدويون بأنها " هيمنة "، تآمرت عليها دول وتنظيمات عربية وحدوية، هنا وجد الأردن نفسه يقف على الحافة الخامسة يتلقى فوق الغمز واللمز والتشويه والاتهام مؤمرات وتآمرات تبدأ ولا تنتهي، وتأتي النكبة الثانية الأبعد أثرا، صغروها فسموها نكسة، كان أثرها على الأردن صاعقا : انهيار معنويات  ونقص موارد، وتضعضع مؤسسات، وتراجع اقتصادي خانق، ومستقبل مجهول، يفتح الاردن الجسور لادامة العلاقة مع الأهل فيتجدد اتهامه، وتنشأ علاقة مع الأهل تحت الاحتلال، وبتعا لذلك مع الاحتلال، تتطور ملامح  الحافة السادسة.

 

الاخوة والأخوات ،،

ويقوم العمل الفدائي النبيل، فيعيد للأمة الأمل، يرفده كل الأردنيين، يغدو الأردن ساحته الوحيدة وتتأبى عليه الساحات الأخرى لكنها تفوز وحدها  بالحمد والشكران، تخترقه دول وتنظيمات أيدولوجية، ينحرف بعض مساره، تبرز هنا  الحافة السابعة

يصبح الأردن عند البعض الهدف البديل المباشر، تقوم على أرضه هيئات تنظر لهوية وطنية أخرى، تهتز الهوية العربية التي تربى عليها كل الأردنيين، تبدأ عندئذ ارهاصات الهوية الوطنية الموؤدة، وتوصم وحدها بالاقليمية، هل يقبل المجتمع الأردني أو يقدر أن يكون اقليميا ؟ مجتمع تأسس على فكر عروبي بهدف عربي وقيادة عربية، مجتمع تتمثل فيه كل أرض عربية، فانفرد بتمثيل التعددية العربية، كيف يكون اقليميا ما زالت معظم قياداته من أحفاد أولئك العرب الذين فاءوا اليه، وهو بهم يعتز ويفخر ؟ أليس زرع الفكر الاقليمي والممارسة الاقليمية خطرا على الاردن وفلسطين معا ؟

 

الاخوة والأخوات ،،

تستقوي الناصرية في خمسينات القرن الماضي، وترى فيها الشعوب الأمل المنشود، تنفرد القوى القومية بالساحة، تجري في الاردن انتخابات تفوز بها خمسة أحزاب : أربعة مؤدلجة والخامس حزب وجاهات وطنية عروبية التوجه شريفة الهدف، تتشكل حكومة يستفرد بها حزب الوجاهات وتضم وزيرا من كل من حزبين مؤدلجين فقط، هنا تفرض الحافة الثامنة  نفسها، يبدأ صراع محموم واستقواء يدعمه قوى طامعة ، ويكون رافده الرئيسي عسكر طموح تنتهي تجربة أردناها متميزة، يتم تبادل الاتهامات وتتوه الحقيقة، يتعاظم الصراع المدعوم ، ويضعف تراص المجتمع ويتراجع التوجه الوحدوي، يتم اللجوء الى حليف خارجي للنجاة بعد ضربات عدة تحت الحزام.

 

الاخوة والأخوات ،،

تتوالى الانهيارات على الساحة العربية، تتغير الثوابت والأهداف، يتراجع هدف التحرير الذي استنزف طاقات الأمة حتى لا يرتفع صوت على صوت المعركة، تتسارع التراجعات فيصبح السلام هدفا استارتيجيا، يكثر الوسطاء ، فتعقد المؤمرات برعاية من كانوا السبب في نشوء القضية، ينفرد كل طرف عربي بهمومه فيهتم بقلع أشواكه بيديه وحده، تتوالى الاتفاقيات وتكون وادي عربة حلقة من سلسلة سبقتها ومهدت لها، تبرزالحافة التاسعة، ينسى الكثيرون بدايات السلسلة ومآلآتها وآثارها على الاردن فيتجدد الاتهام له وحده، تغدو الساحة الاردنية ميدان الرفض شبه الوحيد وستبقى، انه رفض حقيقي ومن حق الشعب لأن الثوابت وعناصر الصراع مع المحتل لا تتغير بين يوم وليلة.

 

الاخوة والأخوات ،،

تتراجع القضية المركزية على سلم الاولويات العربية، تخرج دول الطوق ومعها قوى النضال من معركة المصير، يترتب ذلك على اتفاقيات منفردة ، أو على قيام حروب جوار بديلة مموهة، أو على علاقات مموهة مع الغير، تكشر الدكتاتورية عن أنيابها، يستشري الظلم ويعم الفساد، تثور الشعوب العربية في ربيع كالح مجدب، تنهار دول وتفشل أخرى، يصبح الطوق على الأردن، حروب وفتن على جميع حدوده.  يفقد العديد من الأشقاء والأصدقاء، يعود اقتصاده الى غرفة العمليات بعد أن كان في غرفة الانعاش، يتراجع الدعم ومع ذلك يزداد الانفاق، تباع الثروات الطبيعية ، ويختفي صندوق الاجيال فيزداد الاقتراض، تنهار الادارة العامة وتتدنى الخدمات، فيستشري الفساد، فساد متغول لا يظهر له فاسدون أو مفسدون، فساد أصابه السعار فانفلت على أيدي منظري اقتصاد السوق.

هل هي الحافة العاشرة ؟  انها أكثر من ذلك، عممت شبهة الفساد وعمت، تشكك الشعب بالمستقبل، تراجعت الثقة بالمؤسسات، فضعفت قدرة المواطن على التحمل، تراجع الهم السياسي لصالح هم المعبشة، ارتفعت موجة الشكوى وزادت حدة الانتقاد، تعددت مظاهر الغضب، استغل الوضع فركب موجة الشكوى المحقة بعض من كانوا سببا في الهم الوطني، صاروا دعاة للديمقراطية والمواطنة التي أثخنوها جراحا وهم سدنة حكومات الواقع والظل، يدعون جهودا وهمية ويجأرون بالشكوى من أي نقد لهم، يلقون فشلهم على قوى موهومة ويطلقون الاتهامات في كل اتجاه، حرس قديم وقوى شد عكسي ثم أضافوا قوى الوضع القائم  صدقوا في العناوين وأخطأوا في المضامين، حراس الأوطان ثوابت لا تتغير عند كل صدام ولكنها تطعم دائما بالقوى الناشئة، الأجيال لا تتزايح ولكنها تتمازج لتجمع الخبرة مع العزيمة، سلاحها جاهز ولا ينتقل من كتف لآخر، ولا يستزلم لقوى طامعة ولا يستوحي الهمة الا من الوطن ، كل الوطن، أما الشد العكسي فهو واجب في حالة واحدة ، عندما يكون الشد الأمامي نحو التسيب والانفلات والتهور.


الاخوة والأخوات ،،

تلوح في الأفق حافة جديدة، عصية على الترقيم، يقال أنها صفقة القرن، تثور حولها الزوابع لاخفاء معالمها، تجد سبيلها للتنفيذ بالتدريج خطوة خطوة، مآلها تصفية القضية المركزية، والنظام العربي يترنح  كل منشغل بحماية ذاته ومواجهة قضاياه الداخلية، لم يبق في الساحة للتصدي للصفقة سوى الأردن وسوى أهل فلسطين الصامدين ببطولة على أرض وطنهم، هما مصدر الرفض الجدي والتعبيرعن ذلك الرفض، وهما من ستيحملون مسوؤلية ذلك الرفض، الأردن بقيادة مليكه ينفرد بالتصدي الفعلي للدفاع عن الحق الفلسطيني كقضية أردنية، الضغوط عليه عاتيه ومن كل الاتجاهات والأطراف، لم يستسلم رغم الواقع الاقتصادي الصعب بل المنهك حتى يخال المرء أن الوصول لذلك الواقع كان مخططا له منذ زمن، والوقوف مع الاردن لا يتجاوز بلة ريق عوضا عن ارواء ظمأ، وفجأة يعود الحديث عن صيغة وحدوية مبهمة تستغل توق الاردنيين والفلسطينين للوحدة،وحدة يريدونها بقرارهم الطوعي المتفق عليه، وقد استقر رأيهما أن شرطها الأساسي قيام دولة فلسطينية ذات سيادة على أرضها وشعبها وعاصمتها القدس الشرقية، ترفض اسرائيل قيام الدولة وتدعمها امريكا في هذا الموقف وغيره، ويؤيد ذلك الرئيس الأمريكي منذ انتخابه قبل عامين ويبدأ تنفيذ بنود صفقته، وفجأة يعلن قبول قيام الدولة، ويتصدى نتنياهو لتوصيفها بأنها أقل من دولة وأكثر من حكم ذاتي، هل هذا هو تذويب الشرط الأردني الفلسطيني للكونفدرالية ؟ هل هذه بداية التصفية على حساب الأردن ؟


الاخوة والأخوات ،،

عبر الأردن بهمة شعبه وقيادته كل الأزمات العاصفة، وتجاوز كل التجارب المرة والمريرة، محتفظا بتوازنه واتزانه، لكن الظروف صعبة والتطورات متسارعة والأخطار داهمة والأوضاع مقلقة، الوطن، يتلقى فوق أكثر من اي وقت مضى، بحاجة الى وقفة جادة تتجاوز التنظير المجرد والتلاوم واختراع الأعذار، الوطن بحاجة الى كل قواه الوطنية الجادة الفاعلة، دون تهميش أو استثناء، ودون استرضاء أو استقواء، المرحلة الحالية لا سابقة لها تحتاج الى برنامج عمل متفق عليه لا يستفرد به طرف، والى خطة طريق تتجاوز التجربة والخطأ، التحدي هو للجميع،....   يتحمله الجميع.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات
 
أضف تعليقا
 
إسم المرسل  
البريد الإلكتروني  
 
النص    
 
     
إرسال